أوضح جاسم العزاوي، الرئيس المشارك في كتابة هذا المقال مع باولو فون شيراخ، رئيس معهد السياسة العالمية، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، أن الغرب ظل طوال ثلاثة عقود يروي لنفسه قصة مريحة عن الصين. فقد افترض أن إدخال بكين إلى النظام التجاري العالمي سيترك قوى السوق تفعل ما عليها؛ إذ ستؤدي الرفاهية الاقتصادية إلى نشوء طبقة وسطى، وستطالب هذه الطبقة في نهاية المطاف بصوت سياسي.
وانضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 على أساس هذا الافتراض. وبعد خمسة وعشرين عامًا، يبدو هذا الافتراض واحدًا من أكبر الأخطاء الاستراتيجية في حقبة ما بعد الحرب الباردة. فقد حصلت الصين على وصول واسع إلى الأسواق الغربية، لكنها لم تفتح أسواقها بالشروط نفسها، كما لم تخفف قبضة الحزب الشيوعي على الاقتصاد أو الدولة.
ولا يعني شيء من ذلك أن صعود الصين مجرد وهم. فالصين تبني البنية التحتية بوتيرة لا تستطيع أي ديمقراطية مجاراتها، وتهيمن على صناعات السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والروبوتات والاتصالات، كما تنافس الولايات المتحدة أو تتفوق عليها في بعض مجالات الذكاء الاصطناعي.
ويثبت أداء هواوي وحده أن الهندسة الصينية قادرة فعلًا على الوصول إلى مستوى عالمي. لكن ميدل إيست مونيتور يرى أن الحجم لا يساوي القوة، وأن النمو لا يعني بالضرورة سلامة الاقتصاد. وتختبئ خلف الإحصاءات المبهرة أرقام لاقتصاد يعتمد على الديون، وتدعمه دولة تضع السيطرة فوق الكفاءة ولا تستطيع الاعتراف بالفشل من دون أن تهدد شرعيتها.
مشكلة الأرقام
لنبدأ بالرقم الأبرز. فقد حددت بكين هدف النمو الرسمي لعام 2026 عند مستوى يتراوح بين 4.5 و5 في المئة، وهو أدنى هدف تحدده الصين منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. وسجل الاقتصاد نموًا بلغ 4.7 في المئة خلال النصف الأول من العام، قبل أن يتباطأ النمو الفعلي إلى 4.3 في المئة خلال الربع الثاني، في ظل استمرار ضعف إنفاق الأسر ومواصلة قطاع العقارات الضغط على الاقتصاد الأوسع.
ويرى محللون مستقلون منذ فترة طويلة أن الرقم الحقيقي يقل كثيرًا عن الأرقام التي تعلنها بكين، كما أقر إحصائيون صينيون بوجود اختلافات في منهجية إعداد البيانات الرسمية. وأيًا كان الرقم الدقيق، فإن الاتجاه يبدو واضحًا: تباطؤ، لا المرونة التي تواصل وسائل الإعلام الحكومية الترويج لها.
لكن القصة الأعمق تكمن في الديون التي تقف وراء هذا النمو. فتعمل البنوك الحكومية الصينية باعتبارها ذراعًا من أذرع استراتيجية الحزب الشيوعي، وليس كمؤسسات إقراض مستقلة تقيم المخاطر والعوائد. ويحصل القطاع الذي يفضله الحزب على ائتمان مفتوح بغض النظر عن مدى ربحيته، وهو ما يفسر قدرة شركات السيارات الكهربائية على بيع سيارات بأقل من تكلفتها لسنوات ومواصلة العمل رغم ذلك.
وتخسر السكة الحديد الأموال، كما تخسر شركات الطيران الأموال، لكن شيئًا من ذلك لا يهم ما دام النظام المصرفي، الذي يسيطر عليه الحزب فعليًا، يواصل ضخ الائتمان. هذه ليست رأسمالية تفرز الفائزين، بل سياسة تنتج مخرجات اقتصادية.
فقاعتان وسبب واحد
كشفت أزمة العقارات مدى هشاشة الأساس الذي يقوم عليه الاقتصاد الصيني. فقد شكل العقار، على مدى جيل كامل، الأصل الذي وثقت به الأسر الصينية أكثر من غيره، وأقرب شيء إلى مخزن مضمون للقيمة في بلد يعاني شبكة أمان اجتماعي ضعيفة.
واقترض المطورون العقاريون الأموال استنادًا إلى هذه الثقة، وبنوا وحدات سكنية تفوق الطلب الحقيقي بكثير، ثم انهاروا عندما توقف المشترون عن الشراء. واللافت أن الدولة لم تتدخل لإنقاذهم بالطريقة نفسها التي تحمي بها الشركات الحكومية المفضلة لديها.
وخسرت ملايين الأسر التي دفعت مقدمات لشقق لم تكتمل مدخراتها، فيما يظهر أثر ذلك اليوم في ضعف إنفاق المستهلكين؛ إذ أحجمت الأسر الصينية عن الشراء بعدما شاهدت أصولها الرئيسية تتبخر.
أما الفقاعة الثانية فهي ديموجرافية، وقد يكون إصلاحها أصعب من إصلاح أي أزمة في سوق العقارات. فقد سجلت الصين 7.92 مليون ولادة فقط في عام 2025، وهو أدنى عدد منذ عام 1949، بينما تجاوز عدد الوفيات 11 مليونًا، ما يعني أن عدد السكان ينكمش حاليًا بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة سنويًا. وتراجع معدل الخصوبة إلى نحو مولود واحد لكل امرأة، وهو مستوى يرتبط عادة بأزمة وطنية حادة لا بانحدار تدريجي.
ولم تنجح الإعانات النقدية وتمديد إجازات الوالدين في تغيير هذا الاتجاه، لأن الحسابات التي يجريها الأزواج الصينيون الشباب ذات طبيعة اقتصادية بالأساس؛ فضعف نظام الرعاية الاجتماعية يعني أن كل زوجين يتوقعان إعالة مجموعتين من الآباء المتقدمين في السن، مع قدر محدود من الدعم المؤسسي، ما يجعل إنجاب الأطفال تكلفة يصعب على كثيرين تبريرها.
السيطرة تتغلب على الكفاءة
لا يشكل أي من ذلك لغزًا حقيقيًا أمام بكين. فقد أمضى الباحث في الشأن الصيني مينشين بي سنوات وهو يطرح سؤالًا جوهريًا حول النظام السياسي في البلاد: هل تشكل قدرة النظام السلطوي على الصمود سمة دائمة، أم أنها مجرد مرحلة؟ وتكشف خيارات شي جين بينج في الحكم أن الحزب سيختار السيطرة دائمًا على حساب الكفاءة، حتى عندما تؤدي هذه المقايضة إلى قروض متعثرة، ومجمعات سكنية خالية، وشركات وطنية غير مربحة.
فالحفاظ على النظام، وليس الناتج المحلي الإجمالي، يشكل التفويض الحقيقي للحزب. ولا يعني بناء نظام على هذا الأساس بالضرورة أنه هش على المدى القصير، لكنه يجعله صلبًا وهشًا في الوقت نفسه، على النحو الذي كثيرًا ما تبدو عليه الأنظمة السلطوية قوية إلى أن تنهار فجأة.
استراتيجية واشنطن الغائبة
ولم تدفع نقاط الضعف هذه الولايات المتحدة إلى تبني استجابة متماسكة. فقد حاولت إدارة جو بايدن بناء تحالفات بين الديمقراطيات المتقدمة لموازنة نفوذ بكين. لكن إدارة دونالد ترامب أبدت اهتمامًا محدودًا بهذا النوع من النهج القائم على التحالفات، ما ترك واشنطن من دون استراتيجية موحدة تجاه الصين في اللحظة التي أصبحت فيها نقاط الضعف الداخلية للاقتصاد الصيني أكثر صعوبة في الإخفاء.
وفي الوقت نفسه، تواصل بكين تصدير فائض إنتاجها، وتغرق الأسواق الخارجية بسلع منخفضة الأسعار، ما يبقي المصانع الصينية قيد التشغيل، بينما يقوض في الوقت نفسه الصناعات في الخارج بهدوء.
ولا يزال قادة الصين يتحدثون بثقة مطلقة عن أن التاريخ يقف إلى جانبهم، وأن «المملكة الوسطى» لا تفعل سوى استعادة مكانتها المستحقة، بينما تتراجع القوة الأمريكية. وقد تمر سنوات، بل عقود، قبل أن تجبر الديون والانهيار الديموغرافي وركام قطاع العقارات القيادة الصينية على مواجهة الحقيقة.
لكن بلدًا يضطر إلى التشكيك في أرقام نموه، ودعم صادراته، ودفع الأموال لمواطنيه من أجل إنجاب الأطفال، ليس بلدًا يكتب الفصل المقبل من التاريخ انطلاقًا من موقع قوة. إنه بلد يشتري الوقت.
https://www.middleeastmonitor.com/20260903-the-china-paradox-a-giant-built-on-cracked-foundations/

